بورتريه : هذا مصطفى العماوي


وكالة الجزيرة للأنباء - فارس كرامة

في الحياة النيابية، هناك أسماء تمر، وهناك أسماء تترك أثرا يتجاوز الدورة البرلمانية إلى مدرسة في الأداء والتشريع، وفي هذا السياق، يبرز اسم النائب المخضرم سعادة الدكتور مصطفى صالح العماوي، بوصفه أحد الوجوه البرلمانية التي راكمت الخبرة، وأتقنت إدارة المشهد النيابي بعقل قانوني رصين وحضور متوازن.

العماوي ليس نائبا عابرا في مجلس النواب، بل هو حالة برلمانية قائمة على الخبرة التراكمية والمعرفة الدقيقة بأدوات العمل التشريعي والرقابي، مشاركته في أكثر من مجلس نيابي، من الرابع عشر إلى السابع عشر وصولا إلى المجلس العشرين، لم تكن مجرد حضور، بل مسار متصل من الفعل النيابي المؤثر، الذي يعكس قدرة على فهم التحولات السياسية والتعامل معها بمرونة واحتراف.

وفي موقعه كرئيس سابق للجنة القانونية، يظهر العماوي بوصفه أحد أعمدة التشريع داخل المجلس، حيث تقرأ النصوص بعين قانونية دقيقة، وتُفكك المواد بروح الخبير لا بروح السياسي العابر، وهنا، لا يكون النقاش شكليا، بل مبنيا على معرفة عميقة بالقانون، وتجربة طويلة في تفسيره وتطبيقه، ما جعل من حضوره داخل المجلس قيمة مضافة حقيقية لأي مشروع قانون.

كما أن تجربته كنائب رئيس مجلس النواب سابقا، أظهرت قدرته على إدارة التوازنات تحت القبة، والتعامل مع مختلف التيارات والكتل بحكمة وهدوء، وهو ما عزز صورته كنائب يجيد بناء الجسور لا تكريس الانقسامات.

العماوي، ابن المدرسة القانونية، يحمل في مسيرته العلمية درجة الدكتوراه في القانون، إلى جانب خبرات عملية ممتدة من العمل في الإدارة والعلاقات العامة في الاستخبارات العسكرية، إلى العمل كمستشار فني وقانوني، ومحكم دولي وخبير معتمد، هذه الخلفية المتنوعة منحت شخصيته بعدا مركبا يجمع بين الانضباط المؤسسي والفهم القانوني العميق.

وعلى المستوى السياسي، لا يمكن إغفال دوره الحزبي كأمين عام لحزب الوطني الإسلامي، حيث يقدم نموذجا لسياسي يجمع بين العمل الحزبي والعمل البرلماني دون تضارب، بل في تكامل يخدم الفكرة الوطنية ويعزز حضور البرامج السياسية داخل المؤسسة التشريعية.

ما يميز العماوي أيضا، علاقته المتوازنة مع مختلف النواب، على اختلاف كتلهم وتوجهاتهم، حيث يحظى بقبول واسع واحترام متبادل، ليس فقط بحكم موقعه، بل نتيجة أسلوبه القائم على الحوار والانفتاح والابتعاد عن الاصطفافات الحادة.

تشريعيا، يحضر بقوة، ورقابيا، صوته واضح، وسياسيا، مواقفه تقرأ ضمن سياق وطني متزن، لا يميل إلى الشعبوية، ولا ينفصل عن هموم الناس.

إنه نائب يعرف متى يتحدث، وكيف يتحدث، ولماذا يتخذ موقفا، وهذه ثلاثية لا تتوفر بسهولة في العمل النيابي.

في المحصلة، يمثل الدكتور مصطفى العماوي نموذجا للنائب الذي لا يعتمد على اللحظة، بل على الخبرة، ولا على الصوت العالي، بل على قوة الحجة، ولا على الحضور الإعلامي، بل على الفعل تحت القبة.

هو من ذلك النوع من النواب الذين لا يصنعون ضجيجا، لكنهم يصنعون الفرق.



عدد المشاهدات : (1)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة الجزيرة للأنباء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :