وكالة الجزيرة للأنباء -الدكتور يوسف عبيدالله خريسات
في الظروف الطبيعية تتسع مساحة الرأي ويكثر الجدل، أما في الوقت الذي تمر به المنطقة وتعلو فيها احتمالات الحرب، فإن الوطنية تغدو بالانضباط قيمة عليا وكبيرة لا تقل شأنًا عن الشجاعة ولا تقل أثرًا عن القوة، وعندما يلوّح شبح اندلاع حرب مع إيران بما تحمله من ارتدادات تتجاوز حدودها، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: ماذا نفعل؟ وإنما: كيف نكون؟
في لحظات الخطر الوجودي، تتأخر كل المصالح وتتقدم مصلحة الأردن، فالدولة هي من يدير بعقل مؤسسي عميق، يرى ما لا نراه ويعرف ما هو المناسب والأمثل ويزن الاحتمالات. ومن هنا، فإن رص الصف الوطني خلف القيادة، والالتزام الصارم بتوجيهات مؤسسات القرار السياسي والأمني، يشكل شراكة حقيقية وصادقة في حماية الأردن وصون استقراره.
والمواطن ليس مطالبًا بأن يكون محللًا استراتيجيًا ولا خبيرًا عسكريًا ولا ناقلًا للأخبار، وما هو مطالب منه أن يكون عنصر استقرار. فالمعلومة في هذه اللحظات قد تتحول إلى سلاح، والشائعة قد تفعل ما لا تفعله القذيفة. لذلك، فإن ضبط الخطاب، واحترام التعليمات، والثقة بمن يتخذ القرار، تمثل أشكالًا متقدمة من المسؤولية الوطنية.
ونحن نقف اليوم على أعتاب مرحلة إقليمية معقدة، تتبدل فيها التحالفات وتُعاد فيها صياغة موازين القوة. هذه المرحلة هي زمن حسابات دقيقة، وقرارات مدروسة، وصبر استراتيجي.
والثقة المطلوبة في هذا الوقت تعد موردًا وطنيًا حاسمًا، فعندما يثق المواطن بدولته، تنخفض الخطورة، وتتعزز الجبهة الداخلية، وتفشل محاولات الاختراق. وفي المقابل، عندما تثق الدولة بمواطنيها، تتسع دائرة المسؤولية، ويتحول المجتمع إلى شبكة أمان واحدة ومتماسكة، وهذه المعادلة هي ما يحمي الوطن في العواصف والأزمات.
ويأتي الاحتفال بيوم مولد قائدنا في هذا التوقيت بالذات كرسالة سياسية ومعنوية عميقة. فنحن نحتفي بنموذج قيادة نادر يجمع بين المعرفة والخبرة وبين الحكمة والحزم، قائد يدرك أن القوة أحيانًا تكون بالصبر، وأحيانًا بإدارة الزمن ليعمل لصالح الوطن.
الالتفاف حول القيادة في هذه المرحلة واجب وطني، وخيار دولة تعرف أن وحدتها الداخلية هي خط الدفاع الأول. فالحروب مهما كانت جبهاتها خارجية، تُحسم أولًا في الداخل، وفي وعي الناس، وفي انضباطهم، وفي قدرتهم على تقديم المصلحة الوطنية على كل ما سواها.
وفي هذا الوقت، نحتاج إلى هدوء كبير، وإلى عقل جماعي يعرف متى يتكلم، وكيف نقف صفًا واحدًا، لأجل أن نجتاز هذه المرحلة الخطرة بأعلى درجات التماسك، وأعمق مستويات الثقة بالنفس، وبالقيادة.