وكالة الجزيرة للأنباء -- بقلم: نورالدين نديم
ليس سؤالاً عابراً، ولا استفزازاً أو "حركشة"، بل هو سؤال في صميم العدالة المهنية:
- لماذا لا يُصنَّف التعليم ضمن المهن الخطرة؟!
- وأيُّ منطقٍ هذا الذي يعترف بأن المعلم هو حجر الأساس في بناء الأجيال، ثم يتعامى عن حجم المخاطر التي يواجهها يوميّاً؟
- وأي معايير تلك التي ترى الخطر في الضجيج الصناعي ولا تراه في الضجيج النفسي؟!
المعلم في خط المواجهة الأوّل في الدٌفاع عن البناء التربوي والقيمي الأخلاقي للمجتمع، لكن بلا صلاحيّات ودون اعتراف بأهميّة وخطورة دوره.
المعلم اليوم ليس مجرّد ناقل للمعرفة وموصل للمعلومة، بل هو صانع العقول ومهذّب الأجيال، ويقف كرأس حربة في مواجهة أزمات مُركّبة:
سلوكية، ونفسية، واجتماعية، واقتصادية.
يدخل غرفة الصف فيتيه بين بيئة غير مؤهلة التأهيل اللائق للتعليم: أعداد أكبر من قدرة الغرفة الصفيّة الاستيعابية، وإمكانيّات غير حاضرة، ووقت غير كافٍ إذا ما وزعته على أعداد الطلاب اهتماماً وتفصيلاً..
ممّا يُعطّل قدرته على الإنجاز، ويبعثر جهده، وقد يتعرّض في بعض الأحيان لاعتداءٍ من هنا يمس كرامته، وضغطٍ إداريٍّ من هناك يزيد من معاناته.
لست أُنظّر بعيدًا عن الواقع حين أقول:
إنّ نسبة مرتفعة من المعلمين في الأردن تعرضوا لأشكال مختلفة من العنف داخل بيئة العمل، تتراوح بين الإهانة اللفظية والاعتداء الجسدي وممارسة الضغط الإداري والتهديد بالعقوبات والتقارير السنوية عليهم.
وهذه ليست حوادث فردية، بل مؤشر على خلل عميق في بيئة التعليم.
فهل نحتاج أكثر من ذلك لنعترف أن المعلم يعمل في بيئة غير آمنة؟!
الخطر الذي لا يُرى أخطر بكثير ممّا نراه ونسمعه، فإذا كان البعض يقيس الخطورة بما يُرى من إصابات، فإن أخطر ما يواجهه المعلم من أخطار نفسيّة لا تُرى مثل:
- احتراقه النفسي المتصاعد.
- الضغط المستمر عليه بلا تفريغ.
- استنزافه العاطفي بشكل يومي.
- شعوره المتكرّر بعدم التقدير.
وهناك دراسات متعددة تشير إلى أن نسب الاحتراق الوظيفي بين المعلمين من الأعلى مقارنة بمهن أخرى.
وهذا ليس تفصيلاً عابراً، وإنّما إنذاراً مُبكّراً بانهيار منظومة كاملة - لا قدّر الله تعالى-
فالمعلم المُنهك لا يصنع تعليماً جيّداً، والمعلم المُستنزف لا يبني إنساناً متّزناً.
المفارقة الصادمة أنّنا نطالب المعلم أن يكون:
مربياً ومرشداً وضابط سلوك وصانع عقول وناثر أمل..
ثمّ نرفض أن نعترف بأنه يعمل في بيئة عالية الخطورة!.
نُحمّله ما لا يُحمّل لغيره، ثم نحاسبه بغلظة إن أخطأ، ونصمت حين يُؤذى.. فأيُّ عدالة هذه؟!
الخطورة ليست فقط في المصانع، فلقد تغيّر مفهوم "المهنة الخطرة"، ولم يعد حكراً على من يعمل تحت الآلات الثقيلة أو في البيئات القاسية ماديّاً..
الخطورة اليوم تشمل كل ما يهدد الإنسان:
نفسه، وكرامته، واستقراره، وسلامه الداخلي.. والمعلم يُستنزف في كل هذه الجبهات.
لماذا نطالب بهذا التصنيف؟
لأن تصنيف التعليم كمهنة خطرة ليس مجرّد مُسمّى، بل يترتب عليه:
- حماية قانونية أكبر للمعلم.
- تحسين بيئة العمل داخل المدارس.
- توفير دعم نفسي ومهني حقيقي.
- إقرار علاوات تتناسب مع حجم المخاطر.
هو اعتراف رسمي بأن ما يعيشه المعلم ليس طبيعيّاً، ولا يجب أن يستمر كأمر واقع.
القضية ليست مطلباً حقوقيّاً مهنيّاً ضيّقاً، بل قضية كرامة مهنة، وعدالة مجتمع.
فالمعلم الذي نريده أن يبني الوطن، يجب أوّلاً أن يشعر أن الوطن يحميه.
ولهذا أعود لما بدأت به:
لماذا لا يُصنَّف التعليم مهنة خطرة؟!