من يتابع زيارات الحكومة للمحافظات قد يظن للوهلة الأولى أننا نشهد ثورة تنموية؛ سيارات دفع رباعي، وكاميرات موجهة نحو المسؤولين، وتصريحات نارية، ووعود تُطلق في الهواء كالشهب الساطعة التي تلفت أنظارنا، لكن ضوءها يخبو سريعا.
ولكن، ما إن تُقارن الجدول الرسمي لموازنات المحافظات لعامي 2025 و2026، حتى تدرك أنك تشاهد عرضا مسرحيا متقنا… ينقصه عنصر واحد فقط: الإنفاق. فالزيارات تضج بالحديث عن «تحفيز الاستثمار» و»النهوض بالمحافظات» و»توجيهات ملكية صارمة» للحكومة، لكن الأرقام في جدول الحكومة تقول ببساطة: «خفضنا 35.5 مليون دينار من موازناتكم الرأسمالية... ونحن نواصل المتابعة الميدانية!» وكأن الحكومة تخاطب المحافظات قائلة: «سنزوركم باستمرار، لكن لا تتوقعوا أي صرف فعلي على الأرض». لنأخذ مثالا واقعيا سريعا: محافظة الزرقاء، التي يشتكي أهلها منذ سنوات من الازدحام والتلوث ومشاكل البنية التحتية، كانت النتيجة؟ خفض يقارب مليوني دينار. الكرك؟ زيارات ومطالبات وجلسات تصوير تذكارية... ثم تخفيض بمليون ونصف المليون. العقبة؟ الرئة التنموية والهوية السياحية البحرية للأردن خسرت نحو ثلاثة ملايين! معان والطفيلة؟ الأكثر حاجة والأكثر خفضا في الميزانية. أما الإجمالي، فهو صفعة واحدة بقيمة 35.5 مليون، وكأن الحكومة تعلن: «نحن نؤيد التنمية... ولكن عبر التخفيض». هذا التناقض يطرح سؤالا ساخرا بطبيعة الحال: إذا كانت الزيارات لا تزيد الموازنات، فهل هي زيارات تفقدية.. أم ترفيهية؟ المشهد يصبح أكثر عبثية عند قراءة التعليقات الرسمية. فالحكومة تؤكد أن “اللامركزية خطوة إصلاحية كبرى”، وأن “توجيهات الرئيس تركز على دعم المحافظات”، ثم تُصدر جدولا ماليا يبدو وكأنه مصمم خصيصا ليثبت عكس كل ما قيل، بل ويكشف أن اللامركزية تُدار بمبدأ: “اعملوا مشاريع أكثر… بمال أقل”. ولأن الواقع لا يكتمل بلا لمسة فكاهية، نجد أن الفرق السالب الهائل بين العامين يُقدَّم بمنتهى الهدوء، وكأنه تعديل بسيط: لا خطط بديلة، ولا تبرير اقتصادي، ولا رؤية تعويضية. فقط خفض… وشكرا لحسن المتابعة. وبينما تتحدث الحكومة عن “النهوض بالمحافظات” يتبيّن من الأرقام أن المحافظات تنهض فعلا… لكن في اتجاه الهبوط المالي. ويبقى السؤال الذي يردده الناس: هل التنمية هي المسافة بين تصريح الوزير والرقم في الجدول؟ أم هي تلك الفجوة التي تتسع كلما زادت الزيارات وقل الإنفاق؟ في النهاية، الجدول لمن يتابع النفقات الرأسمالية للعامين 2025 و 2026 إن كان كما صدر فإنه يكشف الحقيقة بأبسط طريقة: الزيارات الميدانية أصبحت أكثر.. والموازنات أصبحت أقل. والمواطن، كالعادة، هو الوحيد الذي عليه أن يتفهم أن التنمية في بلادنا ليست إنفاقا… بل “انطباعا عاما” وهو وصف قريب سمعته من المهندس عامر الحباشنة يوما ما موجها خطابه لي: «إن الهندسة انطباع» دعما لقراراتي الهندسية في التخطيط والتنظيم بالرغم أني خريج توجيهي أدبي.
نضال المجالي
من يتابع زيارات الحكومة للمحافظات قد يظن للوهلة الأولى أننا نشهد ثورة تنموية؛ سيارات دفع رباعي، وكاميرات موجهة نحو المسؤولين، وتصريحات نارية، ووعود تُطلق في الهواء كالشهب الساطعة التي تلفت أنظارنا، لكن ضوءها يخبو سريعا.
ولكن، ما إن تُقارن الجدول الرسمي لموازنات المحافظات لعامي 2025 و2026، حتى تدرك أنك تشاهد عرضا مسرحيا متقنا… ينقصه عنصر واحد فقط: الإنفاق. فالزيارات تضج بالحديث عن «تحفيز الاستثمار» و»النهوض بالمحافظات» و»توجيهات ملكية صارمة» للحكومة، لكن الأرقام في جدول الحكومة تقول ببساطة: «خفضنا 35.5 مليون دينار من موازناتكم الرأسمالية... ونحن نواصل المتابعة الميدانية!» وكأن الحكومة تخاطب المحافظات قائلة: «سنزوركم باستمرار، لكن لا تتوقعوا أي صرف فعلي على الأرض». لنأخذ مثالا واقعيا سريعا: محافظة الزرقاء، التي يشتكي أهلها منذ سنوات من الازدحام والتلوث ومشاكل البنية التحتية، كانت النتيجة؟ خفض يقارب مليوني دينار. الكرك؟ زيارات ومطالبات وجلسات تصوير تذكارية... ثم تخفيض بمليون ونصف المليون. العقبة؟ الرئة التنموية والهوية السياحية البحرية للأردن خسرت نحو ثلاثة ملايين! معان والطفيلة؟ الأكثر حاجة والأكثر خفضا في الميزانية. أما الإجمالي، فهو صفعة واحدة بقيمة 35.5 مليون، وكأن الحكومة تعلن: «نحن نؤيد التنمية... ولكن عبر التخفيض». هذا التناقض يطرح سؤالا ساخرا بطبيعة الحال: إذا كانت الزيارات لا تزيد الموازنات، فهل هي زيارات تفقدية.. أم ترفيهية؟ المشهد يصبح أكثر عبثية عند قراءة التعليقات الرسمية. فالحكومة تؤكد أن “اللامركزية خطوة إصلاحية كبرى”، وأن “توجيهات الرئيس تركز على دعم المحافظات”، ثم تُصدر جدولا ماليا يبدو وكأنه مصمم خصيصا ليثبت عكس كل ما قيل، بل ويكشف أن اللامركزية تُدار بمبدأ: “اعملوا مشاريع أكثر… بمال أقل”. ولأن الواقع لا يكتمل بلا لمسة فكاهية، نجد أن الفرق السالب الهائل بين العامين يُقدَّم بمنتهى الهدوء، وكأنه تعديل بسيط: لا خطط بديلة، ولا تبرير اقتصادي، ولا رؤية تعويضية. فقط خفض… وشكرا لحسن المتابعة. وبينما تتحدث الحكومة عن “النهوض بالمحافظات” يتبيّن من الأرقام أن المحافظات تنهض فعلا… لكن في اتجاه الهبوط المالي. ويبقى السؤال الذي يردده الناس: هل التنمية هي المسافة بين تصريح الوزير والرقم في الجدول؟ أم هي تلك الفجوة التي تتسع كلما زادت الزيارات وقل الإنفاق؟ في النهاية، الجدول لمن يتابع النفقات الرأسمالية للعامين 2025 و 2026 إن كان كما صدر فإنه يكشف الحقيقة بأبسط طريقة: الزيارات الميدانية أصبحت أكثر.. والموازنات أصبحت أقل. والمواطن، كالعادة، هو الوحيد الذي عليه أن يتفهم أن التنمية في بلادنا ليست إنفاقا… بل “انطباعا عاما” وهو وصف قريب سمعته من المهندس عامر الحباشنة يوما ما موجها خطابه لي: «إن الهندسة انطباع» دعما لقراراتي الهندسية في التخطيط والتنظيم بالرغم أني خريج توجيهي أدبي.
نضال المجالي
من يتابع زيارات الحكومة للمحافظات قد يظن للوهلة الأولى أننا نشهد ثورة تنموية؛ سيارات دفع رباعي، وكاميرات موجهة نحو المسؤولين، وتصريحات نارية، ووعود تُطلق في الهواء كالشهب الساطعة التي تلفت أنظارنا، لكن ضوءها يخبو سريعا.
ولكن، ما إن تُقارن الجدول الرسمي لموازنات المحافظات لعامي 2025 و2026، حتى تدرك أنك تشاهد عرضا مسرحيا متقنا… ينقصه عنصر واحد فقط: الإنفاق. فالزيارات تضج بالحديث عن «تحفيز الاستثمار» و»النهوض بالمحافظات» و»توجيهات ملكية صارمة» للحكومة، لكن الأرقام في جدول الحكومة تقول ببساطة: «خفضنا 35.5 مليون دينار من موازناتكم الرأسمالية... ونحن نواصل المتابعة الميدانية!» وكأن الحكومة تخاطب المحافظات قائلة: «سنزوركم باستمرار، لكن لا تتوقعوا أي صرف فعلي على الأرض». لنأخذ مثالا واقعيا سريعا: محافظة الزرقاء، التي يشتكي أهلها منذ سنوات من الازدحام والتلوث ومشاكل البنية التحتية، كانت النتيجة؟ خفض يقارب مليوني دينار. الكرك؟ زيارات ومطالبات وجلسات تصوير تذكارية... ثم تخفيض بمليون ونصف المليون. العقبة؟ الرئة التنموية والهوية السياحية البحرية للأردن خسرت نحو ثلاثة ملايين! معان والطفيلة؟ الأكثر حاجة والأكثر خفضا في الميزانية. أما الإجمالي، فهو صفعة واحدة بقيمة 35.5 مليون، وكأن الحكومة تعلن: «نحن نؤيد التنمية... ولكن عبر التخفيض». هذا التناقض يطرح سؤالا ساخرا بطبيعة الحال: إذا كانت الزيارات لا تزيد الموازنات، فهل هي زيارات تفقدية.. أم ترفيهية؟ المشهد يصبح أكثر عبثية عند قراءة التعليقات الرسمية. فالحكومة تؤكد أن “اللامركزية خطوة إصلاحية كبرى”، وأن “توجيهات الرئيس تركز على دعم المحافظات”، ثم تُصدر جدولا ماليا يبدو وكأنه مصمم خصيصا ليثبت عكس كل ما قيل، بل ويكشف أن اللامركزية تُدار بمبدأ: “اعملوا مشاريع أكثر… بمال أقل”. ولأن الواقع لا يكتمل بلا لمسة فكاهية، نجد أن الفرق السالب الهائل بين العامين يُقدَّم بمنتهى الهدوء، وكأنه تعديل بسيط: لا خطط بديلة، ولا تبرير اقتصادي، ولا رؤية تعويضية. فقط خفض… وشكرا لحسن المتابعة. وبينما تتحدث الحكومة عن “النهوض بالمحافظات” يتبيّن من الأرقام أن المحافظات تنهض فعلا… لكن في اتجاه الهبوط المالي. ويبقى السؤال الذي يردده الناس: هل التنمية هي المسافة بين تصريح الوزير والرقم في الجدول؟ أم هي تلك الفجوة التي تتسع كلما زادت الزيارات وقل الإنفاق؟ في النهاية، الجدول لمن يتابع النفقات الرأسمالية للعامين 2025 و 2026 إن كان كما صدر فإنه يكشف الحقيقة بأبسط طريقة: الزيارات الميدانية أصبحت أكثر.. والموازنات أصبحت أقل. والمواطن، كالعادة، هو الوحيد الذي عليه أن يتفهم أن التنمية في بلادنا ليست إنفاقا… بل “انطباعا عاما” وهو وصف قريب سمعته من المهندس عامر الحباشنة يوما ما موجها خطابه لي: «إن الهندسة انطباع» دعما لقراراتي الهندسية في التخطيط والتنظيم بالرغم أني خريج توجيهي أدبي.
التعليقات