وكالة الجزيرة للأنباء -بقلم: أ.د. خالد واصف الوزني
لم يَعُد العالم يعيش حالةَ انتقالٍ سَلِسٍ من نظام اقتصادي إلى آخر، بل يمرُّ بمرحلة أكثر تقلباً، وعدمَ يقينٍ، وتعقيداً، وغموضاً. هي فترة الفوكا، VUCA، وهي حالة يمكن وصفها بـ«الفوضى المنظمة». الاقتصاد العالمي أمام حالة تتراجع فيها ملامح القطب الواحد دون أن تتشكَّل قواعد واضحة لنظام بديل. في هذا السياق، يَبرز سؤال جوهري: هل تُمثِّل هذه الفوضى فرصة للدول العربية لإعادة التموضع، أم إنها ستبقى ساحة تتحرَّك فيها مصالح الآخرين؟
التحولات الجارية عميقة؛ فالنظام الدولي الذي تشكَّل بعد الحرب العالمية الثانية، بقيادة مؤسسات مالية ونقدية محددة، لم يَعُدْ يحتكر توجيه الاقتصاد العالمي كما كان. في المقابل، تتصاعد أدوار كتل اقتصادية جديدة، مثل «بريكس» و«آسيان»، وتظهر محاولات لإعادة تشكيل النظام المالي العالمي عبر توسيع استخدام العملات المحلية في التسويات التجارية، وتطوير أدوات رقمية، وحتى العودة الجزئية إلى آليات المقايضة في بعض الحالات. هذا لا يعني نهاية الدولار، لكنه يشير بوضوح إلى تراجع احتكاره. في خضم هذه التحولات، تقف الدول العربية في مواقع متفاوتة؛ فالدول المصدِّرة للطاقة، خصوصاً في الخليج، تمتلك أدوات قوة واضحة، في مقدمتها الصناديق السيادية التي تُقدَّر أصولها بما يزيد على 4 تريليونات دولار، إلى جانب موقع جغرافي تمرُّ عبره نسبة تتجاوز خُمس تجارة الطاقة العالمية. هذه العوامل تمنحها قدرة على التأثير، وليس فقط التكيُّف. في المقابل، تواجه دول عربية أخرى تحديات مختلفة، حيث ترزح تحت ضغوط المديونية وارتفاع كلفة التمويل، ما يجعلها أكثر ارتباطاً بالتقلبات العالمية، وأقل قدرة على المناورة. وبين هذين النموذجين، تقف مجموعة من الدول في موقع انتقالي، تحاول إعادة بناء توازناتها الاقتصادية.
لكن الفرصة الحقيقية لا تكمن في الموارد وحدها، بل في كيفية توظيفها؛ فالعالم يتجه نحو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتنويع الشركاء، والبحث عن مناطق أكثر استقراراً. وهنا، يمكن للمنطقة العربية أن تتحوَّل من مجرد ممرٍّ للطاقة والتجارة إلى شريك فاعل في إنتاج القيمة، إذا ما أحسنت استثمار موقعها ومواردها. يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن للدول العربية أن تتحرَّك ككتلة واحدة؟ الواقع يشير إلى أنَّ التكامل الكامل قد لا يكون خياراً قريباً، لكن تنسيق المصالح الاقتصادية وتكامل السياسات في مجالات محددة يمكن أن يشكِّل بديلاً عملياً يعزِّز القدرة التفاوضية للمنطقة في النظام العالمي الجديد.
وفي هذا السياق، يصبح تنويع الشراكات الاقتصادية ضرورة لا خياراً؛ فالعالم لم يَعُدْ ينقسم إلى شرق أو غرب، بل إلى شبكة معقَّدة من المصالح المتقاطعة، ما يتطلَّب من الدول العربية انتهاج سياسات أكثر مرونة واستقلالية.
في المحصلة، وفي ظل قارة تتقدَّم عمراً، في أوروبا، ودول ناشئة تُشكِّل اقتصاداً عالمياً جديداً بقيادة الصين والهند، فإنَّ الفوضى العالمية ليست فرصة تلقائية، بل اختبار حقيقي للقدرة على اتخاذ القرار. فإمّا أن تتحوَّل الدول العربية إلى لاعب يُعيد التموضع بذكاء في اقتصاد عالمي متغيِّر، أو تبقى ساحة تُعاد فيها صياغة التوازنات وفق مصالح الآخرين.
أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية