وكالة الجزيرة للأنباء -د. مُفضي المُومني
كل ذكرى سنوية لرحيل وصفيُّ التلِّ رحمه الله..تنتابنا حشرجة وطنية… نصفها حزن… وجلها فخر... وبعث لروح وطنية افتقدناها في الكثير من شخوص الحكومات التي تلته… لم يترك وصفي لهم مساحة في الذهنية الوطنية للاردنيين… ولم يأتي من يصنع ذات المساحة (الوصفية).. أو بعضاً منها لنرتبه في ابجديات الوطن…! وما زال المكان شاغراً… !.
وصفي بمشروعه الوطني.. والعروبي الناهض… أيقونةٌ أردنيّةٌ ما زالت، رغم سنين الغياب، تُطارِدُهم… من هم؟ كلُّ الفاسدين وتُجّار الأوطان. وما زلتَ يا وصفي، ابنَ الدار، وأقحوانةَ الأرض، ونبتةَ زَعْتَر… وقَيْصومٍ وشيحٍ تتجذّر في جبال شيحان والبلقاء وعجلون والشراه… ما زلتَ يا وصفي عشقَ الأردنيين الشرفاء ولو طال غيابك!
عندما أطلق محمودُ درويش رائعته الآن في المنفى حسبه البعضُ ينعى نفسه في حياته… عندما قال في آخر قصيدته:
سيري ببطءٍ، يا حياةُ، لكي أراكِ
بكامِلِ النُّقصان حولي. كم نسيتُكِ في
خِضَمِّكِ باحثًا عني وعنكِ. وكلَّما أدركتُ
سرًّا منكِ قلتُ بقسوةٍ: ما أجهلكْ
قُلْ للغيابِ: نقصتني
وأنا حضرتُ… لأكملكْ….
وكذا وصفي؛ ذهب إلى الموتِ برجليه ممتشقًا شجاعةَ الرجال والإيمان بالله وبقدره، رغم نصائح الجميع بعدم الذهاب إلى القاهرة… ليقضي شهيدًا… تاركًا لنا ولكل من تَسَنَّم المسؤولية في بلدي حِملًا ثقيلًا حمله ولم يُنازعه فيه أحدٌ بعد.
ما زلتُ أذكر… كنتُ في الصف الخامس الابتدائي بمدرسة صخرة/ محافظة عجلون عندما اغتالت يدُ الغدر وصفي التل، رئيسَ وزراء الأردن، في 28/11/1971م. يومها خرجت مدرستُنا طلابًا ومعلّمين في مسيرةٍ جابت شوارع البلدة الصغيرة في حينه، وكنا نحمل صور وصفي، وهتفنا بطفولتنا لوصفي وللوطن، وبكيناه بطفولتنا وعفويتنا.
وأذكر أن المسيرة توقّفت وسط البلدة، وبالذات أمام مبنى البريد، وخطب فينا مديرُ المدرسة الأستاذُ محمد المومني رحمه الله، وبعضُ الطلبة؛ وكان موقفًا مهيبًا في حضرة رجلٍ من رجالات الأردن لم تُدرِك طفولتنا الغضّة يومها معناه. وكبرنا وكبر الوطن، وعرفنا أن وصفي كان رجلًا بحجم وطن، كان رجلًا يحمل الوطن… وكبرت خيباتُنا بكثيرٍ من رجالاته الذين أوصلونا إلى ما نحن فيه من خيبات، لأنهم كانوا عالةً على الوطن، وأخذوا—لا بل سرقوا—كلَّ ما وصلت أيديهم إليه، لأنهم اختاروا أن يحملهم الوطن، ولم يكن الوطن لديهم أكثر من شركةٍ مساهمةٍ يسرقون منها، حتى إذا أفلسَت تركوها لقدرها…!!
ويصحُّ فيهم ما قاله شاعرُنا حيدر محمود عندما كتب لوصفي قصيدته يا دار وصفي:
يا دارَ وصفي التلِّ
أوشك أن أرى وصفي يعود
فزيّني الساحات
وعرارٌ بين يدي قصيدته على مهرين
من وجدٍ وطهرِ صلاة
خذي يا عرارُ فمي
ويا وصفي دمي
واسترجعِ الزمنَ القديمَ الآتي
قولا لأطفالِ الأنابيب اخرجوا بشموسكم
ودعوا لنا العتمات
إنّا نحبُّ الليلَ نسهره على نارِ القُرى وحرارةِ الدبكات
فخذوا النهاراتِ الملوّثة التي ملأت قلوبَ الناس بالحسرات
ودعوا ليالي القدر توقظ في الحِمى أحلامَه من بعد طول سبات
هذا الحِمى للقانعين بخبزه
وبما تيسّر فيه من خيرات
لا مالَ فيه ولا سبيلَ إلى الغنى
فيه بغير تبادل الصفقات
وإنّي وإخواني صعاليكَ الحمى
سنقابل الضربات بالضربات
وسنستعيدُ غدًا لنرجعه إلى غده
ونطوي آخر الصفحات….
اشتهر بلدُنا بتعدّد تشكيل الوزارات ورؤسائها حتى إننا أصبحنا مؤهّلين لدخول كتاب جينيس للأرقام القياسية بذلك. وليس هذا بيتَ القصيد؛ بل: هل يتذكر الأردنيون رئيسَ وزراء كما يتذكرون وصفي؟
لماذا وصفي، بعد اربعة وخمسون عامًا، ما يزال حاضرًا في وجدان وذاكرة الأردنيين في زمن الردّة ونسيان التاريخ كأنه لم يغب؟
الجواب تجده في سجايا وصفي: رجلِ الدولة، الوطنيِّ الإنسان، القوميِّ العروبي، الحَرّاث، عاشقِ الأرض. وصفي مصطفى وهبي التل حالةٌ وطنية تجد إجاباتها في تاريخ وصفي ومواقفه وإنسانيته، وربما كانت امتدادًا بصورةٍ أخرى لوالده شاعر الأردن عرار الذي كتب للوطن وإنسانه وخبزه وكرامته ونوره وجميلاته، ودفع مقابل مواقفه وشعره السياسي السجنَ والنفيَ وعيشته البوهيمية، وهو أول من اعتزّ بالهوية الأردنية حين قال:
"قالوا تَدَمْشَقْ… قولوا ما يزال على علّاته أربِدِيَّ اللونِ حورانيًّا".
وصفي حالةٌ وطنية بامتياز أنصفه كلُّ من عرف حقيقته ومواقفه ووطنيّته. وقد تخرّج من مدرسة السلط سنة 1938، وانتقل بعدها للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، التي كانت في حينه حاضنةً سياسيةً بامتياز ومركزًا للاستنهاض العروبي، متخصّصًا بالكيمياء والفيزياء، ثم معلّمًا في الكرك ثم مدرسة السلط، وبعدها عُيّن متصرفًا للسلط عام 1942، ثم انضمّ إلى الجيش البريطاني، ثم سُرِّح منه بسبب ميوله القومية العربية، فالتحق بجيش الجهاد المقدّس بقيادة فوزي القاوقجي، وحارب في حرب فلسطين سنة 1948.
ثم استقر في القدس ليعمل في المركز العربي الذي كان يديره موسى العليمي، وتزوّج سعدية الجابري ذات الأصول الحلبية، وتوفيت السيدة سعدية عام 1995، وكانت قد أوصت بتحويل بيتها إلى متحف، وهذا ما كان. يُذكر أن التل لم يُنجب أطفالًا. وفي عام 1955 عُيِّن مديرًا لدائرة المطبوعات والنشر، ثم مديرًا للإذاعة الأردنية عام 1959، وهو من أسس لإعلام وطني.
إلى أن كُلِّف بتشكيل وزارته الأولى عام 1962، التي كان عنوانها تصحيح مسار الإدارة العامة، ووضع خطةٍ لتحرير فلسطين، والتأسيسِ لاقتصادٍ وطني يعتمد على الزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وعدم ارتهان القرار الوطني للأجنبي.
وفي شباط 1965 كُلِّف وصفي التل بحكومته الثانية. ومما نقرأه في أوراق تلك المرحلة ما قاله دولة وصفي التل في محاضرته لمؤتمر التوعية التربوي في رام الله في 13 تموز 1966:
يقول وصفي:
"والحقيقة أن سلاحنا الحقيقي هو العقل والخلق والعلم والإيمان بمعناه الواسع… الإيمان بالله، والإيمان بواجب المواطن نحو أمته، والإيمان بواجبه… وأن هدف المجتمع من أوله لآخره، سواء بجانبه الرسمي أو غير الرسمي، هو الوصول إلى الغنى الروحي والغنى المادي. وحتى نصل إلى ذلك، لا بد من التضحية بمالنا، والتضحية بدمائنا، التضحية بعواطفنا، التضحية بكل أنواع الراحة التي توهّمنا أنها طريقٌ سهلٌ إلى أي هدف، حتى لو كان الهدف قريبًا… إذ لا بد من الهدف".
وبعدها شكّل حكومته الثالثة عام 1970 وحتى اغتياله 1971.
ويكفي شهادةُ رئيس الديوان الملكي الأسبق ووزير الإعلام في حكومة وصفي التل عدنان أبو عودة، حين قال في ندوةٍ حوارية عقدت بالجمعية الأردنية للعلوم والثقافة في ذكرى استشهاد وصفي التل:
"إن الحديث عن وصفي ليس أمرًا سهلًا… وقد تعرّفتُ عليه عام 1966 في معركة السموع، وبقيت الصلة وزادت عمقًا بعد حرب حزيران 1967. وصفي شخصيةٌ جدليةٌ مركّبةٌ متعددة الأبعاد، صاحبُ رؤية، وكان ينظر إلى رئاسة الحكومة أنها تعني قيادةً وإصلاحًا للبلد، لا تميّزًا اجتماعيًّا. ومما قاله: إن وصفي اغتيل مرتين؛ مرة من أعدائه السياسيين في عمّان، والثانية في القاهرة. وأخشى أن يُغتال وصفي للمرة الثالثة، وأن يُوصَف بأنه كان ضد الفلسطينيين، وهذه الفكرة قد يتبناها جيلٌ كامل من الشباب، مع أن وصفي كان وطنيًّا لا إقليميًّا".
ومما يُحسب لوصفي مواقفه السياسية ومعارضته لسياسات عبد الناصر في حرب 1967، وموقفه من عدم اشتراك الجيش الأردني في المعركة، حين قال للملك حسين في حينه: حاكمني وأعْدِمْني بتهمة الخيانة العظمى مقابل عدم الزج بالجيش الأردني في معركة خاسرة. وكان الملك يعرف ذلك، لكنه شارك مُرغَمًا حتى لا تُنسب الخسارة المتوقعة للأردن.
وقف وصفي أمام خصومه السياسيين في الداخل بنظافة يده، وعدم دخوله نادي الفاسدين، وحمل على عاتقه همَّ المواطن والوطن، ومات ولم يكن في حسابه البنكي إلا بقايا راتبه، وكان يستدين لسدّ حاجاته اليومية. كان قائدًا وطنيًا مُلهِمًا دفع حياته ثمنًا لمواقفه وتآمر المتآمرين، لأنه مثّل حالةً وطنية لا تُعجب الغربَ والمتخاذلين. لذا يعيش وصفي في ذاكرة الأردنيين كحالةِ فخرٍ وإلهامٍ وطني، ويذهب غيره ممن استباحوا الوطن وسرقوه إلى مزابل التاريخ…مدججين بالمال والحسابات البنكية والاطيان… متناسين (وما عند الله يبقى) …وما دونه إلى هلاك..، ويزعجهم حب الاردنيين لوصفي… وحيثما داهمتهم الذكرى تتمعر وجناتهم… ويختبئون أو يستفزون…تصفعهم الخيبات…!.
من قال إن ذاكرة الشعوب قصيرة فليأخذ وصفي أنموذجًا.
رحم الله وصفي، وحمى الله الأردن